المقريزي
372
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
جلّ ذكره أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين اللّه ربكم وربّ آبائكم الأوّلين ، وأقاما له مذبحا بمدينة شمرون ، فأرسل اللّه عز وجل إلى أحؤب عبده إلياس رسولا لينهاه عن عبادة وثن بعل ، ويأمره بعبادة اللّه تعالى وحده ، وذلك قول اللّه عز وجل من قائل : وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فَكَذَّبُوهُ [ الصافات / 123 - 126 ] ولما أيس من أيمانهم بالله وتركهم عبادة الوثن ، أقسم في مخاطبته أحؤب أن لا يكون مطر ولا ندا ، ثم تركه . فأمره اللّه سبحانه أن يذهب ناحية الأردن ، فمكث هناك مختفيا ، وقد منع اللّه قطر السماء حتى هلكت البهائم وغيرها ، فلم يزل إلياس مقيما في استتاره إلى أن جف ما كان عنده من الماء ، وفي طول إقامته كان اللّه جلّ جلاله يبعث إليه بغربان تحمل له الخبز واللحم . فلما جف ماؤه الذي كان يشرب منه لامتناع المطر أمره اللّه أن يسير إلى بعض مدائن صيدا ، فخرج حتى وافي باب المدينة ، فإذا امرأة تحتطب ، فسألها ماء يشربه وخبزا يأكله ، فأقسمت له أن ما عندها إلّا مثل غرفة دقيق في إناء ، وشيء من زيت في جرّة ، وأنها تجمع الحطب لتقتات منه هي وابنها ، فبشرها إلياس عليه السلام وقال لها لا تجزعي وافعلي ما قلت لك ، واعملي لي خبزا قليلا قبل أن تعملي لنفسك ولولدك ، فإن الدقيق لا يعجز من الإناء ، ولا الزيت من الجرّة حتى ينزل المطر ، ففعلت ما أمرها به وأقام عندها ، فلم ينقص الدقيق ولا الزيت بعد ذلك إلى أن مات ولدها وجزعت عليه ، فسأل إلياس ربه تعالى فأحيي الولد ، وأمره اللّه أن يسير إلى أحؤب ملك بني إسرائيل لينزل المطر عند إخباره له بذلك ، فسار إليه وقال له : أجمع بني إسرائيل وأبناء بعال . فلما اجتمعوا قال لهم إلياس : إلى متى هذا الضلال ، إن كان الرب اللّه فاعبدوه ، وإن كان بعال هو اللّه فارجعوا بنا إليه ، وقال : ليقرّب كلّ منا قربانا ، فأقرّب أنا للّه ، وقرّبوا أنتم لبعال ، فمن تقبل منه قربانه ونزلت نار من السماء فأكلته فإلهه الذي يعبد فلما رضوا بذلك أحضروا ثورين واختاروا أحدهما وذبحوه ، وصاروا ينادون عليه يال بعال يال بعال ، وإلياس يسخر بهم ويقول : لو رفعتم أصواتكم قليلا فلعلّ إلهكم نائم أو مشغول ، وهم يصرخون ويجرحون أيديهم بالسكاكين ، ودماءهم تسيل . فلما أيسوا من أن تنزل النار وتأكل قربانهم ، دعا إلياس القوم إلى نفسه ، وأقام مذبحا وذبح ثوره وجعله على المذبح وصبّ الماء فوقه ثلاث مرّات ، وجعل حول المذبح خندقا محفورا ، فلم يزل يصب الماء فوق اللحم حتى امتلأ الخندق من الماء ، وقام يدعو اللّه عزّ اسمه وقال في دعائه : اللهمّ أظهر لهذه الجماعة أنك الربّ ، وأني عبدك عامل بأمرك . فأنزل اللّه سبحانه نارا من السماء أكلت القربان وحجارة المذبح التي كان فوقها اللحم وجميع الماء الذي صبّ حوله . فسجد القوم أجمعون وقالوا نشهد أن الربّ اللّه . فقال إلياس : خذوا أبناء